تُعد صنعاء، بكونها مدينة غامضة ورومانسية وساحرة إلى أبعد الحدود، واحدة من أعظم كنوز شبه الجزيرة العربية. كما أنها واحدة من أقدم المدن في العالم، حيث يتجلى تاريخها الغني في شوارعها الضيقة التي تصطف على جانبيها مبانٍ يعود تاريخها إلى قرون مضت. وعلى عكس العديد من المدن العربية الكبرى، قاومت صنعاء الحداثة وحافظت على سحرها التاريخي. لن تجد في المدينة أي أبراج شاهقة من الفولاذ والزجاج، ولكنك سترى المباني الحجرية والمصنوعة من الطين المحروق وهي تغير ألوانها من الوردي الخوخي إلى الوردي الداكن مع حركة الشمس في السماء. ولولا الدراجات النارية والسيارات التي تسرع في الشوارع، لأقسمت أنك عدت بالزمن إلى الوراء.
تعتبر المدينة القديمة قلب صنعاء وهي أحد مواقع التراث العالمي لليونسكو. الحي بأكمله عبارة عن عمل فني، والتجول فيه دون وجهة محددة هو أفضل طريقة للاستمتاع به. المنطقة محفوظة بشكل جيد لدرجة أنه يمكنك المشي لأكثر من كيلومتر في أي اتجاه دون أن تصادف مبنى واحداً حديثاً.
يوجد في صنعاء أكثر من 14,000 منزل برجي، صُممت لتقريب السكان من السماء قدر الإمكان. تُعرف هذه المنازل بأنها أول ناطحات سحاب في العالم، وغالباً ما يصل ارتفاعها إلى ستة أو ثمانية طوابق وتتبع تصميماً محدداً: تشغل المخازن والإسطبلات الطابق الأرضي؛ ويُستخدم الطابق الثاني للضيافة؛ والطابق الثالث مخصص للنساء والأطفال؛ بينما تشغل غرف النوم والمطبخ والحمامات الطوابق الثالث والرابع. يحتوي الجزء العلوي من المنزل على العلية، ثم "المفرج"، أو "الغرفة ذات الإطلالة". إن إطلالات المفرج على المدينة خلابة حقاً.
يقع سوق الملح في قلب المدينة القديمة وهو واحد من أفضل الأسواق في شبه الجزيرة العربية بأكملها. هناك، يمكن للزوار التسوق لشراء أي شيء بدءاً من الهواتف المحمولة وصولاً إلى السجاد المنسوج يدوياً وكل ما بينهما. تتلألأ المجوهرات الفضية تحت ضوء الشمس، ويفوح في الهواء عبق الياسمين، وتفيض الأكشاك بأكوام التمور، وتتمايل الأوشحة الملونة مع النسيم. إن المشي عبر متاهة الباعة يشبه السفر إلى حقبة غابرة. وبفضل إحاطتها بالمنازل البيضاء المتراصة والمساجد الحالمة، يبدو السوق بأكمله كخيال تجسد على أرض الواقع.
لا يعد المتحف الوطني واحداً من أكبر المتاحف في المنطقة فحسب، بل هو أيضاً واحد من أفضلها. تستقبل المجموعة المذهلة من التماثيل والمنحوتات والقطع الأثرية من مملكتي سبأ وحضرموت الزوار في الطابق الأول، بينما يخصص الطابق الثاني للفترة الإسلامية في العصور الوسطى. تقدم المعارض المنسقة بعناية مجموعة لا تصدق من التاريخ، مع توفير مقدمة متميزة عن تاريخ البلاد وثقافتها وشعبها.
أحد أبرز معالم المدينة القديمة هو الجامع الكبير، وهو أهم المساجد الخمسين في اليمن. تشير الأساطير إلى أن هذا كان أول مسجد في البلاد، بُني بتوجيهات من النبي نفسه. كل ما تبقى من المسجد الأصلي هو بضع قطع زخرفية في السقف وبعض الأروقة. تم بناء وإعادة بناء النسخة الحالية من القرن التاسع حتى القرن السابع عشر. أكثر ما يميز المسجد هو مآذنه التي تدعو المصلين بتصاميمها الهندسية المتقنة. يُمنع الزوار غير المسلمين من دخول هذا المسجد وغيره من المساجد في اليمن، ولكن يمكنك إلقاء نظرة خاطفة على قاعات الصلاة الرئيسية من خلال الأبواب الأمامية.