بينما تستكشف سراييفو، قد تتساءل كيف تمكن شعب عانى الكثير من بناء مدينة بهذا القدر من الحيوية والنشاط. لقد اقتربت عاصمة البوسنة والهرسك من الفناء التام في تسعينيات القرن الماضي، لكنها نهضت من جديد لتصبح وجهة سياحية رائدة وواحدة من أكثر المدن إثارة للاهتمام في أوروبا. تُعد سراييفو بمثابة متحف حي للتاريخ، فهي تزخر بالكنائس والمساجد والكاتدرائيات والمباني الحكومية التي شيدها النمساويون المجريون والعثمانيون. كما أنها تنبض بالسحر، بدءاً من وسط المدينة الصاخب وصولاً إلى الحانات والمقاهي المريحة وورش الحرفيين. تجعل الأجواء التي تشبه القرى الزوار يشعرون بالراحة بسرعة، ويجد الكثيرون أنفسهم يرغبون في البقاء في سراييفو لفترة أطول بكثير مما خططوا له في الأصل.
تُعد المدينة القديمة (Old Town) جوهرة التاج في سراييفو. تصطف المتاجر ذات الطراز الشرقي على طول الشوارع المرصوفة بالحصى، وتتنافس على المساحة مع بعض أجمل المؤسسات الدينية في العالم. إنها واحدة من الأماكن القليلة في العالم التي يمكنك فيها سماع الأذان الإسلامي أثناء مرورك بجانب كنيسة أرثوذكسية أو كاتدرائية كاثوليكية أو كنيس يهودي في نفس الوقت. تشترك الأديان الأربعة في حي واحد، مما يجسد التنوع الذي تتميز به المدينة.
يستحق مسجد غازي خسرو بك، الذي بُني عام 1531، الزيارة بشكل خاص. فالديكورات الداخلية الرائعة هي متعة للعين، حيث تتميز بخطوط وأنماط ونقوش خطية ملونة بألوان الباستيل الزاهية التي تبرز كل تفصيل معماري.
تقدم مجموعة من المتاحف للزوار خلفية لاستكشاف أعمق لماضي سراييفو وشعبها وثقافتها. وأفضلها هو المتحف التاريخي للبوسنة، حيث سيظل العرض المؤثر عن حصار المدينة يطارد الزوار لفترة طويلة بعد مغادرتهم. ومما يثير الشجن بشكل خاص الصور التي رسمها الأطفال الذين عاشوا تلك التجربة.
داخل نفق سراييفو
يرسم متحف النفق صورة لآمال المدينة وأهوالها خلال تسعينيات القرن الماضي. خلال فترة الحصار، استُخدم النفق لنقل الإمدادات إلى داخل المدينة والوصول إلى المطار، لكن أولئك الذين كانوا يحاولون دخوله كانوا يتعرضون لنيران القناصة والمدفعية من الأعلى أثناء انتظارهم للعبور. عند المشي عبر هذا المكان، يمكنك تقريباً الشعور بالقلق والتوتر في الأجواء حتى يومنا هذا.
في مدينة غنية بهذا القدر من التاريخ، من الصعب اختيار المكان الأكثر أهمية، لكن الجسر اللاتيني (Latin Bridge) هو بالتأكيد منافس قوي. ففي عام 1914، عبر الأرشيدوق فرانز فرديناند من النمسا الجسر في سيارة مكشوفة بعد توقفه للإعجاب بقاعة المدينة. حينها ضغط غافريلو برينسيب على زناد مسدسه، مما أدى إلى مقتل الأرشيدوق وزوجته وإشعال فتيل الحرب بين صربيا والنمسا والمجر. وبفضل شبكة التحالفات في أوروبا، أدى هذا العمل إلى اندلاع الحرب العالمية الأولى.
لا تزال آثار الحرب مرئية في أجزاء كثيرة من العاصمة. وبينما تمشي في الشوارع، انظر إلى الرصيف لتلاحظ "ورود سراييفو" الحمراء المصنوعة من الخرسانة. هذه التجاويف التي تتخذ شكل الزهور تحدد الأماكن التي انفجرت فيها القذائف، وأصبحت الآن أيقونات للحرب.
توفر التلال المحيطة بالعاصمة إطلالات مذهلة على المدينة، لكن الحقول والمناطق الحرجية والمساحات العشبية لا تزال مليئة بالألغام الأرضية. حافظ على سلامتك من خلال الالتزام بالأرصفة أثناء تجولك، واستمتع بالمناظر واكتشف بعض المساجد الخشبية التي نجت من الحرب.
كما توفر القلعة الصفراء (Yellow Fortress) إطلالات لا تصدق على المدينة من موقعها في الطرف الشرقي للمدينة القديمة. تمتلئ المقبرة المجاورة بالسكان المحليين الذين قُتلوا خلال الحرب، مما يوفر تذكيراً قوياً بماضي البلاد. وتُظهر هذه المعالم أيضاً مدى التقدم الذي أحرزته سراييفو منذ نهاية الحرب.